روما، 28/6/2002 - على غرار معظم الجهات المانحة فقد خفَّض البنك الدولي من حجم التزاماته إزاء التنمية الريفية على مدى السنوات العشر الماضية. وتعمل استراتيجيته الجديدة للتنمية الريفية على تصحيح هذا المسار الهبوطي، ولكنها تدعو إلى إحداث تغييرات واسعة في وجهة تركيز المساعدة، كما أنها ترتكز على حدوث تحولات في مسلك البلدان المانحة والمتلقية للمعونة.

وأعلن السيد إيان جونسون نائب رئيس البنك والمكلف بشؤون التنمية المستدامة أمام اجتماع حاشد ويقظ في إطار مؤتمر القمة العالمي للأغذية: خمس سنوات بعد الانعقاد أن التعريف التقليدي لظاهرة الفقر كان يرتكز على انخفاض الدخل الفردي، غير أن البنك الآن ينظر إلى هذه الظاهرة على أنها تمثل افتقاراً للقدرة على الوصول إلى الخدمات (مثل الصحة والتعليم) والنفوذ. وساعد هذا التحول في المنظور على صياغة استراتيجية جديدة ستُعرض على مجلس المدراء التنفيذيين للبنك خلال هذا الصيف.

ورحب السيد ديفيد فوربيس-وات رئيس مركز الاستثمار في منظمة الأغذية والزراعة بالسياسة المقترحة وقال بعد ذلك ''إنها تشتمل على أفكار جديدة، كما أنها دينامية للغاية وموجهة نحو تحقيق النتائج''. ويجيء هذا التأكيد المتزايد على التنمية الريفية في موعد مناسب أيضا. ويقول فوربيس-وات ''لقد كان هناك خفض كبير في التمويل المقدم إلى التنمية الريفية، ولكني أعتقد أنهم قد أقروا الآن أن من الواجب السعي لمكافحة الفقر ضمن المناطق الريفية ، فهذه المناطق هي موطن الكثير من الفقراء''. ويتعاون مركز الاستثمار، الذي يعمل على تيسير تمويل التنمية الريفية منذ عام 1964 تعاوناً وثيقاً مع البنك.
وعند تقديم الاستراتيجية المقترحة أمام مؤتمر القمة شدد السيد كيفن كليفر مدير التنمية الريفية في البنك الدولي على التحولات الرئيسية التالية في وجهة التركيز:

* منح فقراء الريف دوراً أقوى بحيث تغدو المشروعات خاضعة لطلباتهم
* التركيز على كافة شرائح المجتمع الريفي وعلى كل القطاعات الاقتصادية
* النمو ذو القاعدة العريضة في قطاعات الزراعة، والصناعة الزراعية، والمشروعات غير الغذائية، والخدمات مثل الصحة
* التقليل من ازدواجية الجهود.

تراجع الجوع واستمرار الفقر

وقال السيد كليفر أنه منذ عام 1970 زاد الإنتاج الغذائي بمعدلات تتجاوز النمو السكاني، وانخفضت نسبة المصابين بسوء التغذية في صفوف السكان ككل. غير أن فقراء الريف في بلدان الدخل المنخفض ما زالوا يعانون من الفقر اليوم كما كان حالهم بالأمس. ولتحقيق أهداف البنك في الحد من الفقر بحلول عام 2015 فإن على هذه البلدان أن تزيد من حجم الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5ر3 في المائة سنويا. وبالنظر إلى أن نسبة 24 في المائة من هذا الناتج ترتبط على المستوى العالمي بقطاع الزراعة، فإن الأمر يقتضي تمكين فقراء الريف من الوصول إلى كل ما من شأنه أن يعزز من القدرة الإنتاجية لقطاعهم الزراعي، مثل التعليم، والمياه، والتكنولوجيا (بما في ذلك التكنولوجيا البيولوجية)، والأسواق. غير أن التنمية الريفية عانت من الإهمال بسبب ارتفاع مخاطر الفشل، والهموم البيئية، والظروف التنظيمية في البلدان النامية. وتضعف هذه العوامل من ربحية الزراعة، وهو ما ينطبق أيضاً على الإعانات التي تقدمها البلدان المتقدمة إلى المنتجين الزراعيين فيها مما يُفقد منتجات البلدان الفقيرة قدرتها على المنافسة.

على أن التحولات في التركيز لن تغير كل ذلك، فالأمر يحتاج إلى تحولات في المسلك كما يقول السيد كليفر. وعلى سبيل المثال فإن القيمة الإجمالية للإعانات الزراعية في البلدان المتقدمة تصل إلى نحو 300 - 350 مليار دولار. ولم يتم قط تحديد الأثر الكمي لذلك على البلدان النامية، ولكن السيد كليفر يقدر أن هذه الإعانات تؤدي إلى خسارة البلدان النامية لنحو 50 مليار دولار من الدخل الزراعي. أما قيمة المعونة الإنمائية الزراعية فتصل إلى 8 مليارات دولار فقط على مستوى العالم. ويؤكد السيد كليفر أن هذه المعونة يجب أن تزداد، كما ينبغي خفض قيمة الإعانات الزراعية.

ومن بين التدابير الإصلاحية التي تدعو إليها الاستراتيجية الجديدة ما يلي:

* زيادة التركيز على إقليم أفريقيا جنوب الصحراء
* تعزيز المساندة لأنشطة نقل التكنولوجيا
* تحسين تنسيق المعونة، فالتنافس بين الجهات المانحة أدى في الماضي إلى ازدواجية الجهود، وإلى تقديم معدات ونُظم غير متساوقة.

إلا أن على البلدان النامية أن تقوم بدورها بما يلي:
* خفض الضرائب على المدخلات مثل الأسمدة
* فتح الأسواق بما يخلق مناخاً إيجابياً أمام الصناعة الزراعية
* زيادة الاستثمارات في قطاعات البحوث، والإرشاد، والمرافق الأساسية الريفية
* منح الحرية لمنظمات المنتجين مثل التعاونيات
* تدابير الإصلاح الزراعي

وعندما سئل السيد كليفر ما إذا كانت الاستثمارات ستعتمد على الإصلاح الهيكلي رد بقوله أن الاستثمار والإصلاح يجب أن يحدثا في وقت واحد.
وتقول وثيقة استراتيجية البنك : ''إن الحد من الفقر الريفي يتطلب أن يُعنى البنك بالفضاء الريفي بأكمله، أي المجتمع الريفي برمته وبالجوانب الزراعية وغير الزراعية للاقتصاد على حد سواء. وفي حين أن النُهج السابقة قد حددت طبيعة معظم العناصر اللازمة لحل المعضلة فإنها فشلت في الجمع بينها''.
ولكن هل نجحت الاستراتيجية المقترحة ذاتها في ذلك؟ هذا ما يعتقده السيد فوربيس-وات الذي يقول ''إن الزراعة هي وجهة التركيز الرئيسية للاستراتيجية، غير أنها تغطي التنمية الريفية على نحو أوسع مما حدث في الماضي''.

وهكذا فإن رحلة البنك الجديدة في الفضاء الريفي على وشك أن تبدأ.