قد تكون المنظمات الدولية تعمل بوحي من نواياها الحسنة حينما تقترح اعتماد آخر ما أبدعته القرائح لحل المشكلات الإنمائية. غير أن هذه الاقتراحات قد لا تتلاءم مع الأعراف المحلية أو أن هناك حلولاً فعالة متوافرة بالفعل في العديد من الحالات.
تلك كانت الرسالة التي وجهها الكثير من المشاركين في منتدى المنظمات غير الحكومية/هيئات المجتمع المدني المنعقد على مدى خمسة أيام كحدث موازٍ لمؤتمر القمة العالمي للأغذية: خمس سنوات بعد الانعقاد. وفي هذا الاجتماع تبادل المئات من مندوبي المنظمات القاعدية ومن تعمل معهم هذه المنظمات في بلدانها الأصلية من مزارعين، وصيادي أسماك، ورعاة، الآراء حول السبل الكفيلة بالقضاء على ظاهرة الجوع. وأبرزت حلقات العمل والمحاضرات حكمة الحلول المحلية المعتمدة إزاء هذه الظاهرة.
وحينما يتحدث طاغي فارفار مندوب مركز التنمية المستدامة الذي يتخذ من إيران مركزاً له عن ضمان القدرة على الوصول إلى المياه فإنه يتحدث عن نظام 'كاريز' لري المحاصيل القائم على شبكات من القنوات النفقية. ويستند هذه النظام القديم إلى مبدأ أن عمق منسوب المياه يساير خطوط التضاريس الأرضية. ومع ارتفاع هذه التضاريس يرتفع منسوب المياه. وباستخدام نظام 'كاريز' فإن المزارعين يلتمسون المياه عند مستوى أعلى من مستوى حقولهم. وبعد ذلك فإنهم يحفرون سلسة من القنوات النفقية لجر المياه إلى تلك الحقول دون اللجوء إلى استعمال المضخات.
ويقول السيد فارفار ''إن الطاقة اللازمة لضخ المياه تتطلب توفير إمدادات مكلفة من النفط أو الكهرباء. ولكن نظام 'كاريز' يكفل استخدام مياه الأرض دون حاجة إلى الضخ''.
ويتولى توزيع إمدادات المياه هذه 'الميراب' وهو موظف يعينه المجتمع المحلي. وينفذ الميراب قرارات شيوخ القرى الذين يجتمعون لتقرير طرق توزيع المياه. ويحدد هؤلاء الحقول التي ستتلقى الماء أولاً، ثم يضعون نظاماً للاستفادة من الإمدادات بالتناوب. وإذا ما كان هذا النظام يبدو مألوفاً للمخططين الحديثين فلأنه يمثل نسخة تقليدية من رابطات المنتفعين بالمياه السائدة اليوم.
وفي المناطق القاحلة من السودان تواجه القبائل البدوية صعوبات متزايدة في العثور على المياه اللازمة لسقي مواشيها. وفي الماضي كان الرعاة يعتمدون على نظام 'الحفير' الذي يتم فيه حفر برك صناعية يبلغ طولها بضعة مئات من الأمتار وعمقها أمتار قليلة لجمع مياه الأمطار. وبإقامة القبائل لهذه البرك عند نقاط محددة على امتداد مسالكها المزمعة فإنها يمكن أن تضمن الحصول على الماء حتى في المواسم الجافة. وتود هذه المجموعات توجيه المزيد من الاهتمام نحو تشجيع نظام الحفير عوضاً عن التركيز على المضخات والقنوات.
وفي إحدى القبائل في الهند هناك طريقة فعالة لصون التنوع الوراثي الحيواني، وهي طريقة ترجع جذورها إلى الأعراف التقليدية. وتوضح مريم رحمنيان، وهي من مركز التنمية المستدامة أيضاً، الأمر بقولها ''إن مربي الإبل هؤلاء لا يبيعون ناقة أبداً إلى قبيلة أخرى''. وبهذه الطريقة فإن التركيب الوراثي لذلك النوع من الإبل يظل في القبيلة. ومن السهل تطبيق هذه القاعدة حيث أن هذه القبيلة تنظر إلى الإبل على أنها ملكية جماعية لا فردية.
وثمة درس آخر وهو الحاجة إلى احترام التقاليد القديمة حتى عند إدخال مفاهيم جديدة. وعلى سبيل المثال فإن تعاونيات المزارعين في النموذج الغربي تمنح عضويتها لكل فرد.
غير أنه في الكثير من الثقافات التقليدية فإن الأسرة هي التي تمثل الكيان المنفرد لا الفرد الواحد. ولذلك فإن على الوكالات الإنمائية التي تعمل على إقامة التعاونيات أن تنظر فيما إذا كان عليها تنظيم هذه التعاونيات على أساس منح صوت واحد لكل أسرة لا لكل فرد.
وفي بعض الأحيان تصل الأموال من الوكالات الإنمائية، غير أن المشكلات تنشأ حول سبل توزيعها. وفي إيران هناك حل فعال لهذه المشكلة هو ' الصندوق'، وهو تدبير مجتمعي يرتكز على الثقافة التقليدية. وباستخدام نظام الصندوق فإن المجتمع المحلي يدرس المشكلات المطروحة والسبل المثلى لخدمة الاحتياجات. وتبين لقرية في جنوب إيران أنها تمتلك ما يلزم من أراض ويد عاملة ولكنها تفتقر إلى المياه. ولهذا قرر الصندوق استخدام الأموال المتوافرة لشراء مضخة. وأعيدت الأرباح المتولدة عن المحاصيل المزروعة بفضل المضخة إلى الصندوق لاستخدامها في مشروعات جديدة.
ويطرح السيد فارفار اقتراحاً بسيطاً على المنظمات الدولية حيث يقول ''إن عليها أولاً النظر فيما إذا كانت هناك طرق تقليدية لحل المشكلة. وبعدها ينبغي أن تستوعب هذه الحلول عبر العمل مع السكان المحليين''. وفي كثير من الأحيان فإن الحلول تكون متاحة في عين المكان، وهي حلول جاءت بها تجارب الزمن.



