برايان هيرسي كبير خبراء المنظمة
في الأمراض المنقولة بالعوامل المُمْرضة
يتحدث عن وباء الدودة الحلزونية في العراق
|
|
ما هي أوجه الاختلاف بين وباء الدودة الحلزونية الساري الآن في العراق والمرض الذي تفشى قبلاً في ليبيا في بداية العقد الحالي؟؛
ترجع حالة الطوارئ السائدة الآن في العراق إلى انتشار حشرة تسمى بالدودة الحلزونية للعالم القديم التي تتفشى بصورة خطيرة في صفوف الماشية والحيوانات الأهلية الأخرى في مختلف أنحاء العراق. وهناك نوعان من الدودة الحلزونية هما نوع العالم القديم ونوع العالم الجديد. ولقد كانت الدودة الحلزونية التي غزت ليبيا في مطلع التسعينات من نوع العالم الجديد. وفي ذلك الوقت شنت المنظمة حملة واسعة لاستئصال الدودة من الشواطئ الليبية باستخدام تقنية الحشرات العقيمة. واستغرقت هذه الحملة الناجحة ثلاث سنوات وبلغت تكاليفها نحو75 مليون دولار. ويشابه الوضع الراهن في العراق ما حدث في ليبيا من حيث دخول ذبابة الدودة الحلزونية من خارج البلاد، إلا أنها هذه المرة من نوع دودة العالم القديم التي قدمت على الأرجح من أفريقيا أو من المنطقة الشرقية للقارة0
ما هي آثار الدودة الحلزونية على الثروة الحيوانية؟؛
إن الدودة الحلزونية هي من الطفيليات التي تعيش حصراً على الماشية والحيوانات الأخرى ذات الدم الحار. وتتطفل الدودة على هذه الحيوانات بغرس بيوضها في شقوق جروح الحيوانات. وحينما تفقس البيوض تتحول إلى يرقات تخترق جسم الحيوان ثم تلتهمه حياً بكل معنى الكلمة. وما لم يعالج الحيوان المصاب فإن جروحه تتسع بشكل هائل وتتكاثر فيها اليرقات بأعداد ضخمة بحيث يغدو عرضة للإصابة بأمراض أخرى من بكتيرية وغيرها إلى أن ينفق0
ما مدى انتشار الوباء في العراق؟؛
لقد ظهر الوباء في العراق أول ما ظهر في عام1995، وبحلول ديسمبر/كانون الأول1996 وصل عدد الحالات المسجلة إلى زهاء5000 حالة شهرياً. أمّا في الآونة الأخيرة وفي شهر ديسمبر/كانون الأول1997 على وجه التحديد، أي بعد عام من ذلك، فقد وصل عدد الإصابات إلى نحو50000 حالة في الشهر، ونحن هنا نتحدث فحسب عن الحالات المسجلة. وبصورة غير رسمية فإني أعتقد أننا نستطيع القول أن العدد الحقيقي يمكن أن يبلغ ضعف ذلك، أي إن عدد الحيوانات المصابة هو نحو100000 حيوان شهرياً. وتشير هذه الأرقام إلى حالة طوارئ، وهو ما يرجع إلى حد ما إلى الوضع في العراق إذ انتشر المرض في إيران أيضاً عند حدودها الغربية ولكنها تمكنت من كبحه بفضل استخدام المبيدات وتوافر البنى الأساسية اللازمة. أما في العراق فقد تفاقم الأمر بسبب الافتقار إلى المبيدات وإلى وسائل النقل الضرورية لاتخاذ ما تدعو إليه الحاجة من تدابير. وهكذا فإننا نواجه الآن حالة يزداد فيها عدد الإصابات شهراً بعد شهر0
ما هي الإجراءات المتخذة للتصدي للوباء؟؛
لقد علمت المنظمة بالوضع أولاً في مطلع السنة الماضية، واتخذت التدابير اللازمة للمساهمة في التصدي للأمر وذلك بتنفيذ برنامج من برامج المعونة الفنية الخاصة بحالات الطوارئ. وقدمت المنظمة للعراق في إطار ذلك ما قيمته نحو400000 دولار أمريكي من المساعدات لتوفير المواد الكيمياوية ولعمليات التشخيص ولبعض الأنشطة التدريبية والإرشادية فيما يتصل بسبل مكافحة الوباء. ثم عززت المنظمة ذلك بتقديم مبلغ آخر قيمته600000 دولار جاء كمنحة من حكومة هولندا. وأتاح ذلك استيراد بعض المبيدات إلى العراق بما يتيح ضبط الوضع إلى حد ما. غير أنه ما تزال هناك مشكلة هائلة للغاية تتصل بتوزيع المبيدات وتوفير معدات الرش الضخمة الضرورية لتوفير الوقاية على أي مستوى من المستويات.وهكذا فإن الوباء يواجه حالياً على أساس المعالجة حالة بعد حالة، وهو ما يعني أننا نستطيع فحسب الإبقاء على حياة الحيوانات المصابة، مع عجزنا عن مكافحة المرض وردّه إلى مستويات معقولة0
ما هي آثار تفشي الوباء على البلدان الأخرى في الإقليم؟؛
لقد بعثنا بخبراء استشاريين لدراسة أثر الحالة القائمة في العراق على إيران، وطُرحت النتائج التي خلص إليها هؤلاء على حلقة عمل إقليمية عقدتها المنظمة في دمشق في ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي بالتعاون مع المنظمة العربية للتنمية الزراعية. ودُعيت السلطات البيطرية في جميع البلدان المجاورة للعراق وإيران لحضور الحلقة التي شارك فيها ممثلون عن نحو ثمانية بلدان. واتضح من الدراسات التي أعدها الخبراء الاستشاريون أن العاملين الطبيعيين الرئيسيين الذين يتحكمان بتوزع الوباء وانتشاره هما درجة الحرارة الوسطية وكمية الغطاء النباتي. وبعبارة أخرى فإن تنامي الوباء يتطلب قسطاً معيناً من الغطاء النباتي ومستوى معيناً من درجات الحرارة. فإذا كانت درجات الحرارة شديدة الانخفاض فلن يكون هناك أي ذباب، وهو ما يعني أن الذباب لن يظهر على الأرجح في الارتفاعات العالية، كما إنه غير موجود أيضاً في المناطق الجرداء. وإذا ما نظرنا إلى التوزع الحالي للدودة الحلزونية في العراق وقارناه بما تم التكهن به باستخدام نهج النظام العالمي للمعلومات لتبين لنا أن ذلك النهج النظري كان دقيقاً بدرجة تصل إلى نحو91 في المائة مقارنة بالوضع الفعلي وهو ما يتيح لنا أن نتوقع ببعض الثقة البلدان المهددة بخطر الوباء0
إن الأراضي المنخفضة من شبه الجزيرة العربية هي أشد المناطق تعرضاً لتهديدات ذبابة الدودة الحلزونية. فهي قريبة للغاية من منطقة انتشار الوباء. وفي الحقيقة فإن المنطقة الرئيسية لتفشي المرض في العراق هي الأراضي الواقعة بين نهري دجلة والفرات، أما في إيران فإن هذه المنطقة هي الأراضي المنخفضة في كازستان. ومن غير المنتظر أن يتحرك الوباء باتجاه الشرق إلى أبعد من ذلك بسبب وجود الجبال ودرجات حرارتها المنخفضة. غير أن هناك خطراً من انتقال الذبابة على طول بعض مجاري الصرف المنخفضة المخترقة للمرتفعات لتصل إلى سورية المجاورة وربما إلى الأردن، وهذه هي منطقة الخطر التي ندرس أمرها حالياً. ولهذا السبب فإن المنظمة بالتعاون مع المنظمة العربية للتنمية الزراعية تدرس مسألة اتباع نهج إقليمي إزاء هذه المشكلة بحيث لا نكتفي بمعالجة المرض في مناطق وجوده بل ونكفل عدم استقدامه وانتشاره في مناطق أخرى من الإقليم0
ومن بين الأخطار الماثلة بالطبع انتقال الحيوانات. وفي هذا الصدد فإن هناك تحركات واسعة في الوقت الراهن وذلك أساساً بسبب الظروف الاقتصادية المتصلة بتجارة الماشية في الإقليم. فأسعار الحيوانات منخفضة في العراق للغاية، ولذلك فإن هناك حافزاً كبيراً على تصديرها إلى الخارج لبيعها في البلدان المجاورة التي ترتفع أسعارها فيها. وهذا أمر لابد وأن نأخذه في اعتبارنا0
وفيما يتصل بالمساعدات المالية الراهنة المقدمة لمكافحة المشكلة في العراق، فلقد تم تخصيص بعض الأموال عبر البرنامج الفني في المنظمة لتطوير استجابة طارئة على هذه المشكلة، وهي استجابة ستتخذ شكل مشروع فوري يستغرق سنتين لوضع المزيد من التوقعات بشأن انتشار الوباء، وللحد فوراً من المشكلة في العراق، ولتطوير نظم أفضل للتشخيص، ولتعزيز التعاون على المستوى الإقليمي. وهذا هو حالنا الآن. ومن المحتمل للغاية أنه خلال مرحلة السنتين التي ستبلغ تكاليفها حسب تقديرنا بين7 إلى8 ملايين دولار فإننا سننظر في أمر استئصال المشكلة وهو ما سيستدعي اتباع تقنية الحشرات العقيمة على نحو ما حدث في ليبيا وشمال افريقيا0
ما هي تقنية الحشرات العقيمة؟؛
تعد تقنية الحشرات العقيمة التقنية المجربة الناجحة الوحيدة لاجتثاث الدودة الحلزونية.وتتمثل هذه التقنية في تربية ذكور الحشرات بأعداد هائلة تصل إلى الملايين في ظل ظروف مصنعية، ثم نقلها وإطلاقها في المنطقة التي تعيش فيها الحشرات البرية حيث يبدأ الصراع هناك على تلقيح الإناث. وبالطبع فإن الإناث التي تلقحها الذكور العقيمة لا تنتج شيئاً.ومن خلال تكرار ذلك بانتظام تقل القدرة على التكاثر تدريجياً وينخفض عدد الحشرات إلى أن تنقرض الدودة نهائياً إذا ما استمرت العملية فترة كافية. وكان تطوير هذا النظام قد تم على يد العلماء في الولايات المتحدة حيث نشأت مشكلات مشابهة قبل30 إلى40 عاماً. وكانت الدودة الحلزونية للعالم الجديد منتشرة في ذلك الوقت في كل أنحاء أمريكا الجنوبية وحتى جنوب الولايات المتحدة حيث تركت أثراً بالغاً في مناطق تربية الأبقار في ولايتي تكساس وفلوريدا وبالطبع في المناطق الواقعة إلى الجنوب من ذلك في المكسيك.وهكذا فقد جرى تطوير التقنية لاستئصال الذبابة وإخراجها من الولايات المتحدة، ثم دفعها جنوباً عبر المكسيك إلى شبه الجزيرة الضيق في برزخ بنما حيث تطلق الحشرات العقيمة بصورة مستمرة لتشكيل حاجز دائم يحول دون تكرر الغزو من أمريكا الجنوبية. وقد بدأ هذا البرنامج قبل نحو 30 عاماً وما يزال قيد التنفيذ حتى الآن. ولقد بلغت تكاليفه مليارات ومليارات من الدولارات، غير أنه يظل برنامجاً اقتصاديا للغاية وذا كفاءة تكاليفية عالية إذا ما أخذنا في الاعتبار ما أحرزه من نجاح في الحد من الخسائر وفي حماية قطاعات الثروة الحيوانية في تلك المنطقة0
المقال الرئيسي
|